عصبية الأمهات بين الصورة المثالية والواقع الحقيقي
![]() |
| ماذا أفعل 😱عصبية الأمهات بين الصورة المثالية والواقع الحقيقي |
تُصوَّر الأم في المجتمع على أنها مثال للصبر اللامحدود والحنان الدائم، وكأنها لا تتعب ولا تخطئ ولا تنفعل. لكن هذه الصورة المثالية لا تعكس الواقع الذي تعيشه كثير من الأمهات اليوم، حيث تظهر العصبية في بعض المواقف نتيجة ضغوط متراكمة، لا بسبب قسوة أو تقصير. فالحقيقة أن عصبية الأمهات ليست دائمًا منهن، بل هي انعكاس مباشر لما يحيط بهن من ظروف اجتماعية ونفسية واقتصادية.
الأم تحت ضغط التوقعات الاجتماعية
منذ اللحظة الأولى للأمومة، تجد الأم نفسها محاطة بتوقعات لا تنتهي. الجميع يملك رأيًا في طريقة تربيتها لأبنائها، وكيفية تعاملها معهم، حتى في تفاصيل حياتها اليومية. تعيش الأم تحت مراقبة مستمرة، وتُقارن بغيرها من الأمهات في كل تصرف، مما يخلق لديها شعورًا دائمًا بالتوتر والخوف من الخطأ، ويجعلها في صراع مستمر لإرضاء الآخرين.
كلام الناس وأثره النفسي على الأمهات
يُعد كلام الناس من أكثر العوامل قسوة على نفسية الأم. فالتعليقات السلبية والمقارنات، وإن بدت عابرة، تترك أثرًا عميقًا في الداخل. تتراكم الكلمات الجارحة لتتحول إلى ضغط نفسي يولّد شعورًا بالذنب وقلة الثقة بالنفس، ومع مرور الوقت قد يظهر هذا الضغط في صورة عصبية أو انفعال غير مقصود.
الظروف الاقتصادية ودورها في استنزاف صبر الأم:
لا يمكن تجاهل أثر الظروف الاقتصادية الصعبة على نفسية الأمهات. فغلاء المعيشة وكثرة الالتزامات يجعل الأم في حالة تفكير دائم في كيفية توفير احتياجات الأسرة. هذا القلق المستمر يرهق الأعصاب، ويقلل من قدرة الأم على التحمل، فتكون أكثر عرضة للتوتر والانفعال.
الصراع الداخلي للأم مع نفسها:
كما أن الضغوط لا تأتي دائمًا من خارج البيت فقط، بل أحيانًا من داخل الأم نفسها. فبعض الأمهات يضعن معايير عالية جدًا لأنفسهن، ويسعين لأن يكنّ المثال الكامل للأم الناجحة، فيشعرن بالإحباط عندما لا تسير الأمور كما خُطِّط لها. هذا الصراع الداخلي بين ما تتمنى الأم أن تكونه وما تستطيع تقديمه فعليًا يزيد من توترها، ويجعلها أكثر عرضة للعصبية.
وسائل التواصل الاجتماعي:
وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا غير مباشر في زيادة الضغط على الأمهات، حيث تُعرض صور مثالية لحياة أسرية هادئة وأطفال مطيعين وأمهات مبتسمات دائمًا. هذه الصور قد تزرع شعورًا بالمقارنة والنقص، فتعتقد الأم أنها وحدها من تعاني، وأن غيرها يعيش حياة أسهل وأكثر استقرارًا، مما يزيد من شعورها بالضغط النفسي.
التغيرات النفسية والعاطفية:
كذلك، تمرّ الأم بتغيرات نفسية وعاطفية مختلفة عبر مراحل حياتها، سواء بسبب الحمل والولادة، أو التغيرات الهرمونية، أو ضغوط المراحل العمرية للأبناء. هذه التغيرات قد تؤثر على حالتها المزاجية دون أن تشعر، فيُساء فهم انفعالها على أنه عصبية متعمدة، بينما هو في الحقيقة نتيجة عوامل نفسية وجسدية متداخلة.
الخوف والقلق على الأبناء:
ولا يمكن إغفال أثر الخوف على الأبناء، فالأم غالبًا ما تنفعل بدافع القلق الزائد عليهم. خوفها من الخطأ، أو من الفشل، أو من المستقبل، يجعلها أكثر تشددًا وانفعالًا في بعض المواقف، وهي بذلك تحاول الحماية لا السيطرة، وإن بدا أسلوبها قاسيًا أحيانًا.
الضغوط النفسية والجسدية التي تعيشها الأم يوميًا:
تتحمل الأم أعباءً جسدية ونفسية كبيرة، من قلة النوم إلى كثرة المسؤوليات اليومية، دون أن تجد وقتًا كافيًا للراحة. وفي كثير من الأحيان، يُنظر إلى جهدها على أنه أمر بديهي لا يستحق التقدير، مما يولّد شعورًا داخليًا بالإرهاق والظلم، ينعكس على سلوكها وتعاملها مع من حولها.
غياب الدعم الأسري وتأثيره على سلوك الأم:
عندما تتحمل الأم المسؤوليات وحدها دون مشاركة أو دعم، تشعر بالوحدة والضغط. فالدعم الأسري، سواء من الزوج أو بقية أفراد الأسرة، عنصر أساسي في التوازن النفسي. غيابه يجعل المشاعر السلبية تتراكم حتى تخرج في صورة عصبية مفاجئة.
الأم إنسانة قبل أن تكون أمًا:
من المهم التذكير بأن الأم إنسانة لها مشاعر وحدود وطاقة قد تنفد. مطالبتها بالكمال الدائم تتجاهل إنسانيتها، وتجعل أي انفعال منها يبدو وكأنه فشل، بينما هو في الحقيقة رد فعل طبيعي لضغوط مستمرة.
عصبية الأم لا تعني قسوتها:
عصبية الأم لا تعني أنها لا تحب أبناءها أو أنها قاسية في تربيتها، بل غالبًا ما تكون تعبيرًا عن خوف أو قلق أو إرهاق. فالحب موجود، لكن التعب يطغى أحيانًا على طريقة التعبير عنه.
حلول عملية للتخفيف من عصبية الأمهات:
يمكن التخفيف من عصبية الأمهات من خلال عدة خطوات أساسية، أهمها التقليل من تأثير كلام الناس، وعدم السماح للآراء السلبية بالتحكم في المشاعر. كما أن مشاركة المسؤوليات داخل الأسرة، وتقديم الدعم النفسي والمعنوي للأم، يخففان عنها الكثير من الضغط.
كذلك يُعد التقدير المعنوي، ولو بكلمة شكر، من أبسط الأمور وأكثرها تأثيرًا. ومن الضروري أن تخصص الأم وقتًا لنفسها للراحة أو ممارسة ما تحب، لأن الاهتمام بالنفس ليس أنانية بل ضرورة.
كما يجب نشر الوعي المجتمعي بأهمية تفهّم الأم بدل انتقادها، وتشجيع ثقافة الاحتواء والدعم. وفي حال شعرت الأم بأنها غير قادرة على السيطرة على توترها، فإن طلب المساعدة من مختصين أو من أشخاص موثوقين خطوة إيجابية تعزز صحتها النفسية.
نحو مجتمع أكثر تفهّمًا واحتواءً للأم:
في الختام، عصبية الأمهات ليست عيبًا ولا تقصيرًا، بل هي نتيجة طبيعية لضغوط متراكمة. وعندما تجد الأم الدعم والتقدير والتفهّم، ينعكس ذلك هدوءًا واستقرارًا على الأسرة بأكملها. فالأم هي أساس التوازن في البيت، وراحتها النفسية مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع.
